الشيخ علي الكوراني العاملي
289
مفردات الراغب الإصفهاني مع ملاحظات العاملي
وأصاب الصواب وأخطأ الخطأ . وهذه اللفظة مشتركة كما ترى ، مترددة بين معان ، يجب لمن يتحرى الحقائق أن يتأمّلها . وقوله تعالى : وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ « البقرة : 81 » والخَطِيئَةُ والسيئة يتقاربان ، لكن الخطيئة أكثر ما تقال فيما لا يكون مقصوداً إليه في نفسه ، بل يكون القصد سبباً لتولد ذلك الفعل منه ، كمن يرمي صيداً فأصاب إنساناً ، أو شرب مسكراً فجنى جناية في سكره . والسبب سببان : سبب محظور فعله ، كشرب المسكر وما يتولد عنه من الخطأ غير متجاف عنه ، وسبب غير محظور كرمي الصيد . قال تعالى : وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ « الأحزاب : 5 » . وقال تعالى : وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً « النساء : 112 » فالخطيئة هاهنا هي التي لا تكون عن قصد إلى فعله . قال تعالى : وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلالًا « نوح : 24 » مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ « نوح : 25 » إنا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا « الشعراء : 51 » وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَئ « العنكبوت : 12 » وقال تعالى : وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ « الشعراء : 82 » . والجمع الخطيئات والخطايا ، وقوله تعالى : نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ « البقرة : 58 » فهي المقصود إليها ، والخاطِئُ : هو القاصد للذّنب ، وعلى ذلك قوله : وَلا طَعامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخاطِؤُنَ « الحاقة : 36 » . وقد يسمى الذنب خَاطِئَةً في قوله تعالى : وَالْمُؤْتَفِكاتُ بِالْخاطِئَةِ « الحاقة : 9 » أي الذنب العظيم ، وذلك نحو قولهم : شعر شاعر . فأما ما لم يكن مقصوداً فقد ذكر أنه متجافَى عنه ، وقوله تعالى : نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ « البقرة : 58 » فالمعنى ما تقدم . ملاحظات حاول الراغب أن يقسم الخطأ ، وأن يفسر بعض آياته فوقع في إشكالات . وقد قَسَّمَ الفقهاء الخطأ إلى أقسام ، وقَسَّمَ المحقق الحلي في شرائع الإسلام « 4 / 1016 » القتل إلى عمد ، وشبيه العمد ، وخطأ محض وقال : « وضابط العمد : أن يكون عامداً في فعله وقصده . وشبيه العمد : أن يكون عامداً في فعله ، مخطئاً في قصده . والخطأ المحض : أن يكون مخطئاً فيهما » . وقد عرف الراغب الخطأ بقوله : « أن تريد غير ما تحسن إرادته فتفعله » . وهو ضعيف ، ومعناه : تقصد ما لا يجوز قصده . ثم حاول التفريق بين الخطأ والخطيئة ، فجعل الخاطئ بقصد ، والخطيئة بغير قصد وفسر بها قوله تعالى : وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ، قال : « الخطيئة هاهنا هي التي لا تكون عن قصد إلى فعله » ولا يصح ذلك ، لأن القاعدة قوله تعالى : وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ . فصحة العقاب تدل على العمد . وقد قال تعالى : مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا . فلا بد أن تكون خطيئتهم بقصد وعمد . قال ابن منظور « 1 / 65 » : « المُخْطِئُ : من أَراد الصواب ، فصار إلى غيره . والخاطِئُ : من تعمَّد لما لا ينبغي » . وقال بعضهم : الخِطأ بكسر الخاء للعمد ، وبفتحه للخطأ المحض . وأكثر ما استعمل القرآن الخطأ فيما كان عن عمد . ولم يستعمل الخطيئة في الخطأ المحض ، بل بمعناها في الأديان السابقة . خَطَوَ خَطَوْتُ أَخْطُو خَطْوَةً ، أي مرة . والخُطْوَة ما بين القدمين ، قال تعالى : وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ « البقرة : 168 » أي لاتتبعوه . وذلك نحو قوله : وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى . « صاد : 26 » .